كانت ثقافة الشيخ أحمد ماضي فى الجانب الاجتماعي ذات طابع إنساني عام يتسع للقضايا الدولية والعربية والمحلية أيضا، ولعل البيئة الاجتماعية الطبية التى تربي فيها الشيخ هى الجرثومة التى لحققت المكان الاجتماعية والأبعاد الإنسانية عنده.
كما أن المكان الاجتماعية والعلمية التى تبوأها فى عالم الصحافة كمدير للجريدة المؤيد والشهير ببلاد مصر فى ذلك الوقت كان لها دور بارز فى تنمية الدوافع الاجتماعية داخل ذاته، ولكن تجدر الإشارة إلى أن التربية الدينية والخلقية التى غرست حب الخير للناس وتقديم العوت لهم هى صاحبة الحظ الأوفر فى تزكية الجانب الاجتماعي لدية وحرصة الشديد على مساعدة الآخرين والقيام بأدوار إيجابية فى حياة الضعفاء والفقراء والمحتاجين من الناس.
مما يؤكد هذه النظرة الشمولية الإنسانية فى الجانب الاجتماعي عند الشيخ ما سطرة قلمه فى أكبر الصحف أوسع المجلات فقد شهدت جريدة المؤيدة المصرية مشاركته الإيجابية وإسهاماته الإنسانية من خلال العديد من المقالات التى جسدت هذا الدور الاجتماعي على الصعيد الدولي والمحلي أيضا.فها هى يحرص على نشر أعمال مؤتمر الرقيق العالمي والذى عقد فى هيئة الأمم المتحدة وتحت مظلة دولية جمعت جل دول العالم، وانتهت إلى وضع قانون يحرم تجارة الرقيق ويعاقب الدول التى تخالف المبادئ التى اجتمع عليها المشاركون فى هذا المؤتمر.
فذكر فى جريدة المؤيد المصرية أنه ” قد انهي مؤتمر إلغاء الرقيق أعماله بعد سبعة أشهر قضاها فى المداولة والمشاحنة التى اضطرته أحيانا إلى تأجيل الجلسات، وأحيانا إلى انتظار ورود التعليمات لبعض المندوبين(1).وبعد أن نشر الشيخ أحمد ماضي جميع مواد هذا القانون، تناول بالتفصيل القرار العام الذى انتهت إليه الدول المشاركة فى المؤتمر.
حيث أشار إلى أن مجموع الدول المشاركة ” نشروا فى ذيل هذا القانون قرار عاما من الدول التى وقعت علية ولها أملاك أو حماية فى أقطار الكونغو ملخصة أن الدول التى لها مندوبون بهذا المؤتمر واللواتي صدقن على قرار مؤتمر برلين فى 26 فبراير سنة 1889م، واللواتي أرتفينة، قد رأين بعد المداولة والتوقيع على الطرق المؤدية إلى قطع دابر تجارة الرقيق والموصلة على تحسين حالة أهالي تلك الجهات أدبيا وماديا، والأجل تنفيذ ما احتوي عليه هذا القانون العام، ينبغي إيجاد إيرادات كافية للقيام بمصاريف التحسين(2).
- انظر: جريدة المؤيد المصرية – يوم الثلاثاء 21 ذي القعدة، سنة 1307هـ- الموافق 8 يولية، سنة 1890م، العدد 177، ص1.
- جريدة المؤيد المصرية – يوم الثلاثاء 21 ذي القعدة، سنة 1307هـ- الموافق 8 يولية، سنة 1890م، العدد 177، ص1.
ويتضح من متابعة الشيخ احمد ماضي لأعمال مؤتمر إلغاء الرقيق وحرصه على نشر كل ما صدر عنه من توصيات ونتائج أنه يتمتع بعاطفة إنسانية فياضة، وحسن أخلاقي صادق أدي إلى كتابة العديد من القضايا الإنسانية التى تتعلق بالمجتمع الدولي وقام بدور بارز فى حلها.
كما كان للشيخ احمد ماضي اهتماماته بقضايا أمته العربية والإسلامية وتجلي ذلك فى العديد من الكتابات التى تعالج مشكلات المجتمع الإسلامي فى الوقت الراهن مثل مشكلة الظلم الاجتماعي وعدم مراعاة توزيع الثروات القومية بالقسطاس المستقيم، الأمر الذى أدي على وجود فجوة فى طبقات المجتمع وزيادة نسبة الفقراء المحاجين فى البلاد العربية والإسلامية، ومن ثم زيادة نسبة البطالة وأحداث الشغب والواجب أن تقسيم الأموال على الأفراد بحسب حاجتهم ولكن الخبير يعلم أن الأرزاق لها مقسم وهو الحق سبحانه ” لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون” (1).
وحيث كان المساواة فى الأموال متعذرة وكان عدمها مضرا كان من الحسن أن تقابل جميع التعديلات الاقتصادية بصدر رحب فإن الأمة التى تتوزع فيها الثروة تحسن حالا وترتفع شأنا وأن أعظم عامل فى نوال هذه الغاية هو كيفية استعمال الزائد عن القدرة اللازم من الأموال فإن سبب عدم المساواة فى الغالب هو ذلك القدر الزائد(2).
إن فقدان العدل والمساواة فى المجتمع العربي دليل على غياب الوعي الديني والإدارك العقلي بقيمة المنهج الإسلامي الذى يطالب الناس جميعا بالمساواة والأخذ بالقسطاس المستقيم. وعندما اجتمع المسلمون الأوائل على الأخذ بهذا المنهج نجحوا فى تأسيس أكبر إمبراطورية دينية عرفها التاريخ ولذا نبه الشيخ احمد ماضي على اتخاذ المنهج الإسلامي مصدر أساسيا فى تنظيم المجتمع وتوزيع الأدوار بين أفراده وطبقاته، والعمل بمبدأ المساواة حتى يسود الود والصفاء بين طبقات المجتمع، وإذا كان الشيخ احمد ماضي وفيا لمتطلبات المجتمع الإنساني الدولي والمجتمع العربي الإسلامي فإن أشد وفاء لمجتمعة الإقليمي بل والمحلي الذى تربي فهي وترعرع فى أحضانه وهو صغير.
فكان رحمة الله يحب قريته حبا جما ويقوم بخدمة أهلها حبا وكرما كما كان يكرم البلاد المجاورة لها ويسعى فى مساعده أصحابها وحل المشكلات التى تعوق مسيرة حياتهم، ولعل من الكتابات التى أظهرت شدة ولائه لأهل قريته ما جاء فى جريدة المؤيد عن انتشار مرض ( الجدري) بناحية ( جمجون) المجاور لبلدته القديمة ( محلة أبو علي).
- سورة يونس ، من الآية :44.
- جريدة المؤيد المصرية – يوم الأحد 22 ربيع الثاني، سنة 1307هـ- الموافق 12 ديسمبر؟، سنة 188م، العدد التاسع، ص1-2.
وعندا استغاث به أبناء هذه القرية، رفع شكايتهم إلي السيد مدير إدارة الصحة للنظر فيها والإسراع فى حلها بل زاد علي ذلك عندما نشر تفاصيلها على الرأي العام وطالب إدارة الصحة بسرعة التدخل وعلاج المرض والمصابين بهذه العدوي وهذا المرض.
فيذكر فى صدر صفحات جريدة المؤيد أنه قد ظهر داء الجدري بناحية جمجون المجاورة لمحلة أبى علي بالغربية، وأن المتوفين بها ليسوا بأقل من ثلاث ولما كان هذا الداء سريع العدوى وغوائله لا تخضي وجب علينا أن نرفع أكف الالتماس لإدارة الصحة الساهرة على القيام بشئونها ثم لو فحصنا عن الأسباب التى أوجبت انتشار هذا الداء لم نر غير جهل حلاقي الصحة الذين انيطت بهم عملية التطعيم باختيار المادة وصناعة التطعيم.
ولا ننكر أن إدارة الصحة لم تعهد أمره إلى المذكورين إلا لشدة حرصها على تلافي هذا الوباء غير أننا لو أمعنا النظر على ما كانت عليه حالة مأموري التطعيم قبلا من الخدامة فى هذا الفن وتمام خبراته التى شهدت أعمالهم لقلنا إنهم أحق بتحويل إدارة الحصة غليهم وإعادتهم إلى مأمور يأتهم السابقة وأن من نظرا إلى براعة الرجل الذى كان قائما بهذه المأمورية بمركز بسيون لم يملك إلا الاعتراف بفضله والاهتمام بتكلفة رسيما بعودته على التطعيم لأننا نري المعتبرين والأعيان من المركز المذكور وغيره يهرعون إلى هذا الرجل حتى نال رضاهم رغم أنهم يؤذون أطفالهم.
والخلاصة أننا نلتمس من إدارة الصحة دقة الألفات إلى حصر هذه الصناعة فى أهلها لما هى علية من الأهلية(1).
ولعل من يدق النظر فى الأسلوب الذى استخدمه الشيخ احمد ماضي فى عرض مشكلة هذه القرية يتبين له أنه استمل على جزالة فى الألفاظ وبساطة فى المعاني وتنو يعان فى التناول فيكون على سبيل الترغيب تارة والترهيب تارة أخري.كما اشتمل المقال على عرض تام لأبعاد القضية وتشخيص دقيق لأعراضها والأسباب التى أدت إلى انتشارها والعلاج الناجح من وجهة نظره ومن ثم فإننا إزاء قواعد متطورة للخبر الصحفي وكذلك عناصر.
مستحدثة للمقالة الصحفية، نستطيع من خلالها وصف أية قضية وصفا دقيق وصحيا يمكن عرضها على الرأي العام لاتخاذ التدابير اللازمة لحلها.
ولعل حسن التناول ودقة العرض وامانتة من أهم العوامل التى تفتقدها كثير من الأخبار العالمية والمحلية فى الوقت الحاضر ومما تجدر الإشارة إليه أن قضايا المجتمع المحلي الذى تمس مسقط على صحفات الصحف المجلات، الإ لحاح فى توصيلها إلى المسئولين وكبار رجال الدولة الأمر الذى يقودنا إلي الامتداء بمبهجة الخلاقي والمتميز الذى عرف به فى علام الصحافة.
(1) أنظر: جريدة المؤيد المصرية –الخميس 27 شعبان، سنة 1307هـ- 12 أبريل، سنة 1889م، العدد 114، ص 2.


