لا يجهل أحد أن العدل روح العمران وأس المدينة، وأن الظلم من أقوي أسباب الانحلال والتفرق، وأن الأمة التى تنال رفاهية العيش وحسن الحال ما لم يكن بينها من يتولى أمر الأعمال بالقسطاس المستقيم ولكن أليس من الواضح البين أن الأمة تنناوبها أدوار من الحوادث بينما تكون مندرجة فى سلم الارتقاء تظهر أمامها العدل بمظاهر متنوعة وصور مختلفة وليس له فى الحقيقة إلا صورة واحدة وما ذلك إلا خطأ فى النظر وضعف فى التمييز.
نعم إن الإنسان مهما كان يشعر بألم الظلم فيعرفه ولا يرتاب فيه، ولكن لو سألته عن العدل فى نفس الأمر لأخطأ فى الجواب.
وأورد لك صورة أخري من صور الظلم زاعما أنها هى العدل المطلق وذلك لاشتباه العدل عليه بمنفعته الذاتية إن كان من السذج وادخالها فى دائرته إن كان من ذوي الملكة، ومن ذلك يتضح أن جميع من على سطح المسكونة يحبون العدل ولكن أكثرهم لا يعرفونه وأنه يسهل علينا أن نجد من يريد أن يعدل ولكن يتعذر علينا أن نجد من يصيب العدل فى أحكامة قال الإمام على كرم الله وجهة العدل صرة واحدة والظالم صورة كثيرة.
ولهذا سهل ارتكاب الجور وصعب تحري العدل، وهما يشبهان الإصابة فى الرماية والخطأ فيها، وأن الإصابة تحتاج إلى أرتياض وتعهد والخطأ لا يحتاج إلي شئ من ذلك فهو باخصر الطرق أداء الواجب واخذ الواجب وكلا الواجبين لا يقدر إلا بالآخر فالفلاح الذى يعلف بقرنه ثم يستعملها فى أرضه عادل إذا كان قد جعل البقرة العلف فى كفة ميزان والعمل فى الكفة الأخرى والا فإن جعل العلف قبالة العمل، أو جعل العمل والبرة قبالة العلف كان ظالما أو عادلات باختلاف حالة الأرض وقوة الحيوان وتغذية العلف وتعليل ذلك لا يحتاج إلى بيان غير أ، من الناس من يظن أن الشيء قد يكون وأبا لذلته فينني على ذلك أن الإنسان يؤديه أو يأخذ منه بدون مقابل ولا يكون هناك ظلم وذلك خطأ بين فإننا لو تتبعنا حالة الإنسان من طفولته التى لا يكون عليه فيها واجب يؤديه بواجب إلا وله فى مقابلته منفعة يجنيها وواجبات يقتضيها.
فطاعته لوالديه ورضوخه للمعلم وصبره على مفض الأعمال وإذعانه للحكومة بما أوجبه عليه العقل الذى اعمله أن له فى مقابلتها منافع وواجبات لولاها لنبذ الدرس ومزق الطرش وشق عصا الطاعة.
وعلى ذلك فالرجل الذى يريد أن تستقيم عائلته ويعيش وإياها فى صف وعيش وراحة بال يلزمة من يلاحظ الواجبات المتبادلة بينه وبينها والتى بين الأفراد وبعضها ويحذر أن يجعل على أحدهم واجبا دون أن يكون سبق فمنه ما يقابله وذلك هو العدل فى أخص أحواله تقوم به القوانين الأساسية وقس على ذلك القبيلة والأمة والمملكة ولكن لو قرضنا أن أحد الأفراد لم يقم ببعض واجباته أيحرم ما يقابل ذلك البعض من المنافع ويكون ذلك عدلا كلا فلو كان كذلك لكان ليس ثم حاجة للقوانين الفرعية فإنه ربما أضر بعدم القيام به ضررا يفوق مقدار منفعته فإننا لا نعاقب الحارس على تركه للصوص يرتعون فى المساكن يقطع مرتبه فقط وإلا لا خلينا بركن عظيم وأضعنا شيئا نفسيا وهو الأمن بقيمة زهيدة.
وقس على ذلك فقوانين الأمة وروابطها هى تمدنها هيكلها فى الحضارة وواضعونا تلك القوانين هم بناه تلك الهيئة ينالها منهم ما ينال البيت من حذق بانيه ونباهته معرفته بمواضع النفع والضرر والرجال الذين يقومون بإدارتها ليسوا سوي من يحافظ على عمران تلك الهيئة وإبقاء تضارتها وحسنها.
وإن من أضر المضرات أن ينال القانون من البعض مالا يناله من البعض الآخر فإن ذلك ثلم فى وجه العدل يؤثر خللا فى العمران فيقوم باطلا ويهضم حقوقا. ومن أظلم ممن يشارك فى السراء وهو بري من الضراء ذلك ما تجنبه القوة على القوانين وما لا ترأب صدعه إلا رجال الحل والعقد ممن حنكتهم التجارب ودفعوا إلي مضايق الأمور.
أليس امتياز بعض الأفراد ممن يدرج على بساط الغبراء عمن يشارك فى السعي ويقاسم فى المنفعة واختصاصة دونه متلقيا سلطة القوانين الأساسية والفرعية بمجحفة نسجتها أيدي الحوادث الغابرة تشوبها للعدل يأباه العقل وتمجه سليقة الإنسانية نعم قد علم ذلك الآن وقام برتق الفتق فيه أمير البلاد ووزره الخطير الحادي حذوة وأصبحنا نأمل قضاء الأمنية وتقويم أود العدل بما فيه راحة البلاد وثروة سكانها وربما عدنا إلى ذلك فى فرصة أخري والسلام.
(1) جريدة المؤيد المصرية – يوم الثلاثاء الموافق 2 جمادي الأولي سنة 1307- 24 ديسمبر 1989م- العدد 11،ص 1.


