الشيخ احمد ماضي ابو العزايم

  • الرئيسية
  • من هو الشيخ احمد ماضي ابوالعزايم
  • تراث الشيخ بجريدة الآداب
  • تراث الشيخ بجريدة المؤيد

مكانة الشيخ احمد ماضي ابو العزايم فى الصحافة العربية

مكانة الشيخ احمد ماضي ابو العزايم فى الصحافة العربية

تتكشف المواهب الإلهية والمهارات الفردية عند الإنسان إذا وجدت مناخا صالحا يساعد على ظهورها وتربة خصبة تقود عروقها وتغذي أورقها بالإضافة على بيئة حسنة تنشر أريجها تزيد من تاثيرها على مر الأيام والسنين وقد اجتمعت كل هذه العناصر عندما استوي عود الشيخ احمد ماضي وبلغ سن الرشد حيث كان المناخ الثقافي الذى يعيشه مزدحما بأبرز الكتاب والأدباء وأهل الحكمة من صفة المجتمع المصري فى ذلك الوقت.

فكان على باشا مبارك والشيخ على يوسف وسعد زغلول والشيخ محمد عبده والإمام محمد ماضي ابو العزائم صفوته من الأصدقاء وأقرب الناس إلى قلبه وأحب الرفقاء على فؤاده.

 وساعدت صحبته الطبية بالشيخ على يوسف وعلى باشا مبارك من قربة برجال الفكر والسياسة والاتصال بالصحف والمجلات المصرية والعربية وعندما وجد الشيخ احمد ماضي نفسه قريبا من المناخ الذى يدفعه إلى الإدلاء برأية والإفصاح عن موقفه تجاه القضايا الوطنية والدينية والسياسية، لم يتردد فى حل مشكلات أبناء مجتمعه، ولم يضمن بعلمه الغزير وثقافته الموسوعية على قضايا أمته العربية والإسلامية وكانت البداية فى صورة خطابات عميقة الفكر وجزلة اللفظ أرسلها سرا إلي صديقة العزيز الشيخ على يوسف رئيس تحرير جريدة الآداب المصرية فى ذلك الوقت.

إلا أن أخلاصة لله فى عمله وصدقة مع ربه فيا كان يكتبه من نصائح غالية وقضايا جليلة تسهم فى حل مشكلات الأمة الإسلامية، كان من وراء الشيخ على يوسف على عدم نشرها أو كشفها للرأي العام (1).

إلا أن صديقة الشيخ على يوسف كشف السر وأذاع الخبر ونشر هذه الرسائل عندما وجدها ذات أسلوب إعلامي متقدم وفكر إنساني عميق وطرق مستحدثة فى حل القضايا التى تعاني منها أمتنا العربية والإسلامية وكذلك المشكلات التى تواجه الشعب المصري والحكومة المصرية فى ذلك الوقت.

 ولما وجد الشيخ على يوسف نفسه أمام قلم يسبل ذهبا وعقلا يمتلئ فكر واعيا بمسائل الدين وقضايا السياسية وأسلوبا أفادا يملك ناحية اللغة العربية وماهرا بأساليبها البلاغية ومحسناتها البديعية، لم يجد بدا من الاحتفاظ بهذا القلم لجريدته اليومية ( المؤيد) التى كانت رائدة الصحف المصرية والعربية فى ذلك الوقت.

 فعينة مدير التحرير لها وأسند إليه ماداته التحريرية لثقته فى مكانته الصحفية ومعرفته بقدراته العلمية والأدبية فى ترجمة الأخبار التى ترد من وكالات الأنباء الأجنبية مثل ” روتر”  و ” هافاس” (2).    

  • انظر: جريدة الآداب المصرية – يوم الخميس 4 رمضان، سنة 1305هـ- الموافق 27مايو، سنة 1887م: العدد 17، ص 17-18.
  • انظرا : محمود احمد ماضي أبو العزائم: الإمام محمد ماضي أبو العزائم صفحات من حياته : 1/18.

بالإضافة إلى كتابة المقالات والرد على الخطابات التى تأتي على الجريدة بل كان الأمر فى كثير من الأوقات يصل على تحمل أعباء الجريدة بكل أبوابها وقضاياها الإخبارية ودورها السياسي والاجتماعي على الصعيدين الدولي والمحلي.

         فكان الشيخ على يوسف يترك صديقة المخلص الشيخ احمد ماضي يقوم بإصدار الجريدة والقيام بأعبائها السياسية والعلمية والأدبية وكذلك الدينية والاجتماعية أثناء سفر خارج بلاد مصر(1).

        ومن  غير الإنصاف أننا نجد كتابا ومؤرخين لدور الصحافة المصرية والعربية يغفلون عن هذا الدور الكبير الذى قام به الشيخ احمد ماضي فى تطور الصحافة المصرية والعربية فى ذلك الوقت (2). وخاصة فى تأسيس جريدة المؤيد وإذا كانا إزاء بعض الآراء التى نحترمها والتى لا تري دورا للشيخ أحمد ماضي فى الصحافة المصرية وجريدة المؤيد، فإننا ايضا بصدد آراء أخري نجلها ونقدرها تري أنه شيخ الصحافة الإسلامية والعربية.

فيشير الأستاذ عبد المنعم شقرف إلى أن الشيخ أحمد ماضي كان له شأن عظيم تجلي فى فن الصحافة الإسلامية فى أعقاب القرن الماضي ما جعله يلقب على صفر سنة ( بالشيخ احمد ماضي)، وبشيخ الصحافة الإسلامية والعربية، ولكن قصر عمره ووفاته المبكرة جعلته يمر فى تاريخ امته كغيث هطل ثم انقطع أو كبر يق لامع ثم خفت وخبا، عائدا إلى صفاء السماء واتساع الآفاق(3).

ويصف السيد محمود احمد ماضي ثقافته الشاملة ودوره البارز فى الصحافة الإسلامية والعربية، حيث يقول : وما شئت أن تراه طبيبا حذف الطب بعد أن درسه بنفسه إلا لقيته، وما شئت أن تراه كاتبا فى عصر ملك فيه ناحية القلم الغراب عن مصر قامت عبقريته وأبت عليه غيرته إلا أن يبذ هؤلاء الأغراب ويضع أول لبنه فى بناء صاحبة الجلالة الصحافة العربية الإسلامية فى مصر فى مجلة الآداب أولا، وثانيا فى صحيفة المؤيد الذى اشترك معه فى استصدارها علما من أعلام النهضة الحديثة فى مصر هو الشيخ على يوسف.

  

  • انظر: سليمان صالح: الشيخ على يوسف جريدة المؤيد- الهيئة المصرية العامة للكتاب – سلسلة تاريخ المصريين – رقم 37 عام 1990م، ج1 ص 23.
  • خصص الدكتور عبد اللطيف حمزة فصلا كاملا عن الشيخ على يوسف ودورة فى الصحافة المصرية ودورة فى جريدة المؤيد ولم يذكر للشيخ احمد ماضي سوي إسهاماته المادية فى تأسيسها واختلافة مع الشيخ على يوسف” انظر: د/ عبد اللطيف حمزة: أدب المقالة الصحفية فى مصر – دار الفكر العربي – القاهرة –طبعة أولي 1951م ، 40-41-42.
  • عبد النعم شقرف: الإمام محمد ماضي أبو العزائم، ص 17.

هذه الجريدة السيارة التى ظفرت منه بجهد جهيد وعمل شاق فاعلية من مزيد من عصر تضافرت فيه عليه الأعداء من كل صوب، وهبت عليه فيه الأعصابر الهوج من كل ناحية، ثم صمد لهذه الأعصاير وتلك الحوادث مع إجلالفا لجميع الآراء التى تؤكد دور الشيخ احمد ماضي فى الصحافة العربية والإسلامية إلا أننا نري أن بها شيئا من المبالغة والمغالاة.

ولكن يمكن القول بان الشيخ احمد ماضي من شيوخ الصحافة العربية والإسلامية لأنه تعلم اللغات الأوربية وترجم العديد من البرقيات التى ترد على جريدة المؤيد كما أنه كتب الكثير من المقالات الصحفية وصار رفيقا للمفكرين والسياسي البارزين واحتل منصب مدير تحرير ” المؤيد” (1) لمدة تزيد عن عامين بسبب مقالاته المؤثرة وأفكاره الفاعلة وأدواته الموفورة من خلال الكتابات التى شهدت بها جريدة الآداب وجريدة المؤيد.

ولم يكن الشيخ احمد ماضي صاحب أول لبنه فى بناء صاحبة الجلالة (2) ، ولكنه كان من الجيل الذى أقام صرح الصحافة المصرية والعربية والإسلامية ايضا فى القرن التاسع عشر الميلادي.

وقد شاركه فى بناء هذا الصرح العديد من الشخصيات التى شهد لها التاريخ وحفظتها الأجيال جيلا بعد جيل بدور بارز فى مجال الصحافة والإعلام ولعل من هؤلاء الرواد: السيد عبد الله النديم والسيد محمد رشيد رضا والشيخ على يوسف والشيخ محمد عبده والمويلجي والكواكبر وغيرهم وجملة القول أننا فى حاجة إلى حكم موضوعي على المكانة السامية التى شغلها الشيخ احمد ماضي فى الصحافة المصرية.

ولكن يتحقق لنا هذا الموضوعية فى الحكم على الدور الذى قام به هذا الشيخ الجليل ونتعرف على المكانة التى انتهي إليها لابد من التعرف على النقاط الآتية:

أولا: خصائص المقالة الصحفية عنده.

ثانيا: دور فى جريدة الآداب.

 ثالثا: دور فى جريدة المؤيد.

وذلك حتى لا تقع فى البخس الذى وقع فيه الفريق الأول، ولا تسترسل فى الحكم كما استرسل الفريق الثاني.

  • انظر: عبد المنعم محمد شقرف: الإمام محمد ماضي أبو العزائم، ص26.
  • انظر: السيد محمود احمد ماضي أبو العزائم: الإمام محمد ماضي أبو العزائم، صفحات من حياته : 1/18/19.

أولا- خصائص المقالة الصحفية:

 يستطيع من يتابع ماكتبه الشيخ أحمد ماضي فى جريدة الآداب أو جريدة المؤيد أن يستخلص خصائص مقالته الصحفية وسمات أسلوبه وفكره ولعل أهم ما يعلو هذا الأسلوب وذلك الفكر ما يأتي:

أ) الفكر الهادف والمعني العميق:

 تتميز كتابات السيد احمد ماضي بالتركيز على الأفكار الهادفة التى تتناول جانبا مهما من جوانب الحياة أو قضية شائكة من قضايا المجتمع.

ثم يأخذ فى عرضها على القارئ بأسلوب أدبي أخذ معربا من خلالها عن المعاني العميقة التى تحيط بهذه القضية والعلل غير المباشرة التى تضع أهل الحل والعقد على الطريق السديد الذى يؤدي إلي حل المشكلة أو الكشف عنها فإذا نظرنا على سبيل المثال على فهمة العميق لحب الذات وأثره على حياة الفرد والمجتمع، لعلمنا أبعاد هذا الفكر وتتحققا من نفاذ هذه البصيرة.

فحب ألذات عنده هو ” الواسطة لتنظيم القوي فى طريقة المنفعة وهو الباعث لها فكل قوة فى الإنسان والحيوان مطيعة لقاهريته، وكل الانفعالات النفسانية تحت سلطته، فلا يتحرك الإنسان حركة تسرية أو إرادية إلا وهو الباعث الذى سلط على الأعضاء التى هى آلات لها.

فالغضب الذى هو اندفاع الأرواح إلى خارج الجسم للانتقام بواسطة تشديد القوة الإرادية وانبعاثها بالرغم عنها لم ينشا إلا بعد أن يتوقد حب الذات فى موئدها وهو القلب فأنقاد إليه وبعث بالدم إلى جميع أنحاء الجسم بقوة شديدة.

إذا عهد ذلك علمت أن حب الذات هو القائد لجميع القوي التى يبعث بها مؤلفه فى طريق المنفعة وهو الحافظ القانون التحسين العام، فلولاه لم تر شيئا حسنا قط، ولرأيت الإنسان الذى هو كما تراه فى أحسن تقويم على ما كان عليه من التوحش وفساد التركيب ولتعلم ايضا أنه مسئول على قوتين عظيمتين الأول: القوة النفسانية والثانية: القوة الشهوانية(1).

ويتبين من النص السابق أن الشيخ احمد ماضي لم ينظر إلى حب الذات كمرض قلبي لا يؤثر على حياة الفرد والجماعة، كما هو معلوم عند كثير من الناس ولكنه سدد سهام فكرة ووجه ملكات ذهنة تجاه هذه المرض القلبي العضال ون ثم استخرج لنا التشخيص الدقيق له ووضع أيدينا على مصادره الأولي اللتين تغذيانه وتزيد من تمكينه فى القلب وهما القوة النفسانية والقوة الشهوانية.

                       

(1)    جريدة الآداب المصرية- يوم الخميس 18 رمضان، سنة 1304هـ- الموافق 9 يونية سنة 1887م، العدد 19 ص 36-37.        

ونراه فى مكان آخر يكشف للقارئ أهمية العمل فى نهضة الأمة وتقدم الشعوب ويبين للحكومات دواعي كما لها ورفاهية شعوبها التى تنتج من وراء العمل والعمال. فيقول فى إحدى مقالاته بجريدة ” المؤيد” أ،ه ” ليس ثمن شئ أوجب لسعادة البلاد من عمال اتجهت حركات أفكارهم للقيام بواجبات وظائفهم وفق طبيعة النظام كما انه ليس شئ أخر على الحكومات من أن ترز أبأناس لإخلاص لهم، إن لم تجذبهم الغابات بسلاسلها فبإهمالهم يسجلون على الأمة الضعة والانحطاط وأول شرط فى كمال الحكومات. كون العمل ممن تبعثهم دواعي الطبيعة على السعي وراء خير البلاد(1).

        وهكذا تلج أن الفكر الذى يعول عليه الشيخ احمد ماضي فى حل المشكلات ودراسة القضايا فكراها دفاء عميقا يتناول المشكلات والقضايا التى تشغل الراي العام وتعوق مسيرة التنمية التقدم. ولذا جاءت مقالاته العديدة على درجة من التميز فى الشكل والمضمون كما أنها اسهمت بدور مؤثر فى حركة الإصلاح الاقتصادي والسياسي وكذلك الاجتماعي التى نادت بها الحكومات فى ذلك الوقت، ونادي بها الكثير من الشخصيات الدينية والسياسية الفكرية مثل: السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وسعد زغلول وقاسم أمين ومن ثم يجب ا، نضيف بجانب هؤلاء الشيخ احمد ماضي أبى العزائم. 

 

ب) الاستعانة بالأسلوب القرآني والآيات القرآنية:

كان السيد احمد ماضي يستعين بكل وسيلة توضح فكرة وتقوي أسلوبه وتزيد من تأثيره على القارئ الذى يثق فى كل ما يكتبه هذا الشيخ ويعد القرآن الكريم والمعاني التى يحملها أسلوبه البليغ من أفضل الخصال التى تميز بها أسلوب الشيخ احمد ماضي وقد نجح الشيخ الجليل فى الاستعانة بالأسلوب القرآني بصورة كبيرة، تمكن من خلالها الإعراب عن أهدافه التى ينشدها من هذه الكتابات كما جاءت الآيات التى استعان بها فى موضعها الفعال والمؤثر ومن ثم قامت بتحقيق الهدف المنشود الذى يبتغيه الشيخ احمد ماضي من كتاباته ولعل حفظة الجيد للقرآن الكريم وإطلاعه الغزير على أكبر وأقدم التفاسير كانا من وراء تميزه فى الاستعانة بالآيات الكريمة.

فيذكر فى إحدى المقالات التى كتبها لصديقة الشيخ على يوسف قائلا ” وهكذا لو تأملت بعين الحكمة لرأيت الطبيعة تسوقنا إلى ما تريد بسوط مؤلم ولكننا نسترسل غير واقفين على الحد الأوسط مسرعين مع العادة على سراب بقيعة يحبه الظمآن ماء (2). وما هو الإظلام أوجبه عدم التبصر

  • جريدة المؤيد المصرية – يوم الاثنين، غرة جمادي الأولي، عام 1307هـ- الموافق 23 ديسمبر عام 1889م، العدد 16 ص 1.
  • سورة النور، من الآية : 39.

فى بحر لجي يغشاه موج من الفته من فوقة موج من الأهواء من فوقه سحاب يجب عن ملاحظة الحقيقة(1).

        يلاحظ من يقرأ هذه السطور أن الشيخ احمد ماضي استعان بالأسلوب القرآني فى توصيل الفكرة التى يريدها على القراء بكل مستوياتهم الثقافية وهى تحكم العادات والتقاليد وكذلك الأهواء فى سلوكنا وأفعالنا. ولكي يؤكد لكل من يسير وفق هذه الأهواء والتقاليد أنه هالك لا محاله استعان بما جاء فى سورة النور من الآيات التى توضح هذا المعني وتبرزه وهو السراب الذى يحبه الكافر بريه ماء وما هو بالماء وفى ذلك بيان لمن ظن الخير من وراء الكفر، وانتظر النعيم من وراء الأهواء.

            ولكن يظهر الشيخ فساد النظر عن أهل الأهواء وأتباع التقاليد العمياء استعان بصورة قرآنية بلاغية تعبر عن شدة الحيرة والتشتت والعنت الذى يقع فيه هؤلاء لذا استخدام العديد من الكلمات التى تبرز هذا المعني من آية سورة النور، مثل بر لجي، من فوقة مج، فوقة سحاب فقد جسد هذه الكلمات القرآنية صورة أهل الضلال والأهواء الحالة التى انتهوا إليها.

        ويستعين الشيخ احمد ماضي فى موضع آخر ببعض الآيات القرآنية التى تبين ضعف العقول التى يزعم أصحابها أن الإنسان يولد نتيجة النشوء والارتقاء وأنه لا فاعل سوؤ المادة ويقتضي ذلك اثباث التولد الذاتي وارتكاز الحياة على المادة وقول بقدم العالم.

        ولكي يبرز الفساد والوهم الذى عليه أصحاب هذه القول استعان الشيخ بما جاء فى بعض آيات سورة يوسف ليرسم للقارئ صورة متشابهة مع الصورة القرآنية التى بنيت أوهام وأضغاث أصحاب سيدنا يوسف علية السلام عندما كان فى السجن.

        فكما أن أقوال هؤلاء النفر وساوس شياطين ونتاج عقول فرية وقلوب مريضة كذلك فإن أقوال هؤلاء فى النشوء والارتقاء تتشابه مع الوهم والضلال الذى كان عليه هؤلاء النفر.

        ولذا يصف الشيخ احمد ماضي هذه الآراء بقوله ” فإنها أضغاث أحلام خليتها له مخيلته، أو فزعبلات أو حتها إليه وساوسه من خرافات الغشا شي (1) و إنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التى فى الصدور (2) وهكذا استعان الشيخ الجليل ببعض الآيات القرآنية والأساليب القديمة لكي تقرب المعني وتوضح الهدف وترسم للقارئ صورة متقاربة من الصورة البلاغية المميزة التى رسمها له القرآن الكريم.

ولذا جاء أسلوب الشيخ موضحا للمعني ومبينا للهدف الذى يبتغيه الكاتب من ورائه

         

(1) جريدة الآداب المصرية 14 ذى القعدة، سنة –      

(2) جريدة الآداب المصرية – الخميس 4 رمضان عام 1305هـ- الموافق 27 مايو، سنة 1887م- العدد 17، ص 17-18.

ج) استخدام الأساليب البلاغية والمحسنات البديعية:

        أظهرت كتابات الشيخ احمد ماضي قدرة كبيرة على امتلاكه ناحية اللغة العربية حيث يتميز الأسلوب بصور بلاغية ومحسنات بديعية قلما تجدها عند كاتب آخر من كتاب هذا العصر.

          فقد جاء هذه الصور البيانية ولتك المحسنات البديعية فى قالب أدبي يوضح المعني ويبرز الفكر بصورة غير متكلفة ونقية من المغالطات اللغوية والأخطاء النحوية التى تفسد جمال اللغة العربية وقدرتها على توصيل الفكر الصحيح إلى القراء.

        ومما زاد الأسلوب جمالا، قدرة الشيخ احمد ماضي على استخدام صور المحسنات البديعية، من سجع وجناس وطباق فى توضيح المعني وإبراز الفكرة كما جاء الصورة البلاغية والأشكال البيانية فى قالب قشيب يخدم الهدف الذى ينشد الكاتب ويرسم للقارئ لوحة فنية تمكنه من التعرف على ملامح المقصد الذى يتطلع إلية الكاتب من مقالته.

        ففى إحدى المقالات التى كتبها لجريدة الآداب ناصحا صديقة الشيخ على يوسف يتبين لنا بلاغة هذا الأسلوب ودقة آلفاظة ومعانية حيث يقول فيه ” فما لك راعك هذا الليث ؟‍‍ألم تعلم أن السماء بيد الله يقلبها كيف يشاء وأن الأرض لله يورثها من يشاء،فدع الساكن وشأنه، والمتحرك وسلطانه واضع أقص عليك ما هو أعجب مما رأيت، وأغرب مما رويت كنت قبل أن أنزع جلابيب العادة ممن جال وجاب، وإذا سئل أجاب وكنت أقطع النهار فى طلاب ما طاب، وأواصل الليل فى استطلاع مسألة وجواب.

        فحضرني فى بعض الأيام شيخ وغلام، فسلما ثم تكلما، فقال الرجل قد جئناك أيها الشيخ فيما قبل، إنك أبن بجدته، وسن لطبقته، فهل التحول لو ثم ما يحول؟

        فقلت أعرب ولا تطنب، فإن كنت أعلم حل معضلتك وجواب مسألتك منحتك البيان، وبالله المستعان(1). فهذا النص يبين أمثلاك الشيخ أحمد ماضي لأساليب اللغة العربية وصورها البيانية وألوانها البلاغية دون أن يكون هناك تقصير فى توضيح المعني أو تجسيد الفكرة ومن الصورة البلاغية التى اتسم بها أسلوب هذا الشيخ ما كان يورده من أدلته ويبني عليها أركان مقالته التى ينوي كتابتها.

        فيفتتح إحدى مقالاته بقوله :” إذا ابتعد الشئ عن مصدره ظهر فى غير مظهره عناية بك وشفقة عليك أيها الباحث الشيخ على يوسف ضربت لك هذا المثال، ويحسن بي أن أشرح لك معناه من عالك الذى انت فيه(2)“

  • جريدة الآداب المصرية – يوم الخميس 16 شوال، سنة 1304هـ- الموافق 7 يوليو، سنة 1887م، العدد 232 ، ص 69-70.
  • جريدة الآداب المصرية – يوم الخميس 4 رمضان سنة 1305هـ- الموافق 27 مايوم، سنة 1887م، العدد 17، ص 17

ثم يأخذ فى شرح هذا المثل مستعينا به فى كتابة المقالة الخاصة بهذا العدد وفى مقال آخر يكتفي الشيخ الجيل بأبيات من الشعور يري أنها أبلغ من النثر فى الإعراب عن مكنون نفسه وما يجيس به صورة فيقول مخاطبا صديقة الشيخ على يوسف ( الباحث بن العصر):

”  هذه نشوة طرب، بل هزة عجب، قد سئمت من المجد فى الجد، فبالله عليك إلا ما ألقيت سمعك جاعلا ما ألفية غليك فى خبيئة الخفاء، فإنك بحفظ مثلها لجدير، وهذا الجواب عن سابق الاستغراب:

        عللاني أوفاتر كاني وشاني              ودعاني أجب لمن قد دعاني

        أنا أدري بحالتي يا خليلي                فما تنفع المني والأماني

        قلتما تنجلي الفيوم قريبا                  وصدقتكم لكن بأى زمان

        رحم الله مهجتي قد براها         طول هذا السري وبعد المكان (1)

        وهكذا السير سل الشيخ احمد ماضي فى البيان الذى عبر عنه بالشعر دون النثر ليؤكد لنا أنه على دراية بالألوان البلاغية للغة العربية، وأنه يمتلك موهبة كتابة الشعر كما يمتلك كتابة النثر ولكن تجد الإشارة إلى أن هذا اللون الأدبي قد تخففت فيه بعض الصورة البلاغية والمحسنات البديعية فى بعض مقالاته التى كان يكتبها بجريدة ” المؤيد” وذلك استجابة لدواعي الحال والمقال وكذلك لمقتضيات تطور العصر.

        قد جاءت المقالات التى سطرها الشيخ احمد ماضي فى كل من جريدة الآداب وجريدة المؤيد متنوعة الموضوعات متعددة الجوانب العلمية والثقافية وهذا يشير على سعة ثقافاته كما يظهر تعدد أدواته وأساليبه البلاغية ويشير الدكتور عبد اللطيف حمزة على أن الخصائص التى كانت تميز المقالة الصحفية فى المرحلة المقالية الثانية (1882-1900م) وهى المرحلة التى تضمن الشيخ احمد ماضي وغيره من الكتاب والأدباء عبارة عن خمس خصائص، هى:

الخاصة الأولي: من هذه الخصائص غلبة الأسلوب الخطابي على مقالات هذه المدرسة.

والخاصة الثانية: أن المقالة الصحفية عند رجال هذه الحلبة أخذت شكل الدرس أو الشرح المفصل والمفيد.

الخاصة الثالثة: هى شيوع الجد إلى حد الصرافة والحزن بسبب الأحوال العصيبة التى مرت بها مصر فى ذلك الوقت.

الخاصة الرابعة: شيوع السخرية فى مقالات هذه المدرسة.

الخاصة الخامسة:شيوع الانفعالات(2).

  • جريدة الآداب المصرية – يوم الخميس 9 شوال، سنة 1304هـ- الموافق 10 يونيو سنة 1887م، العدد 23، ص 63.
  • انظر: د/ عبد اللطيف حمزة: أدب المقالة الصحفية فى مصر – دار عالم الفكر – القاهرة طبعة أولي 1950م 2:219-221.

وقد ارتبطت هذه الخصائص بالشكل المضمون أما الخصائص التى تميز أسلوب هذه المدرسة المقالة الثانية فهى:

الأولي: تخلص المدرسة الصحفية الثانية تخلصا يوشك أن يكون نهائيا من السجع والجناس وغيرهما من الألوان البديعية التى فتن بها أكثر تلاميذ المدرسة السابقة لها.

الخاصة الثانية: أن أفراد هذه المدرسة قد استعاضوا عن السجع بخاصة أخر يهي لازدواج أو التقطع الصوتي، وجزالة اللفظ وحسن اختياره ووضعية فى أضيق مواضعة.

الخاصة الثالثة: تأثر المقالة الصحفية بأسلوب القرآن الكريم فجميع الكتاب بدون استثناء يؤثرون ألفاظ القرآن الكريم وتراكيب القرآن.

الخاصة الرابعة: تأثر الأسلوب الصحفي كذلك بأسلوب المقامة.

الخاصة الخامسة: ظهور الفرق الكبير لغة المقالة وبين لغة الآداب الخالص (1).

        وقد تحققت جل هذه الخصائص فى كتابات الشيخ احمد ماضي فى جريدة المؤيد أكثر من تحققها فى جريدة الآداب، ولكن تجدر الإشارة إلي أن هذه الخصائص التى تتعلق بالأسلوب والتى ذكرها الدكتور عبد اللطيف حمزة أغفلت مهارة أبناء هذه المدرسة المقالية الثانية فى استخدام الصورة البيانية والأساليب البلاغية دون إفراط أو تفريط على حساب المعني أو المضمون.

        ومن ثم خفف رواد هذه المدرسة من هذه المحسنات البديعية فى بعض المقالات ورجعوا إليها فى مقالات أخري، حسبما يقتضي الحال أو المقام وهذا ما فعله الشيخ احمد ماضي عندما كشف من الصور البيانية والمحسنات البديعية فى مقالات جريدة الآداب، ثم استعاض عنها بأسلوب سهل ميسر وبليغ أيضا فى جريدة المؤيد.

        وهذا ما أكده الدكتور محمود شريف حين قال : ” ومن ناحية أسلوب مقالة المرحلة الثانية وشكلها فقد استقر التأثير بأسلوب المحسنات البديعية المؤشر بالسجع المهتم بتناسب حجم الجمل وجرس موسيقيها تأثرا بأسلوب المقامات العربية التى كانت تدرس كقطع نثرية لكل من يريد أن يتعلم من الكتابة”.

        وقد سلمت بعض المقالات من اساليب المحسنات البديعية لانشغال كتابها بمضمون مقالاتهم الذى فرض نفسه عليهم بقوة تحت أسلوب الوضع وأهم السمات اللغوية التى ميزت مقالات المرحلة أنها عبرت مشكلة الألفاظ الأعجمية وحققت الكثير فى مجال السلامة اللغوية لغة ونحوا، وحاصرت التراكيب الأعجمية تماما(2).      

  • السابق: 2/221-224.
  • د/ محمود شريف: فن المقالة الأدبية الموضوعية الصحفية – مكتبة أبو للو القاهرة – الطبعة الثانية 1409هـ- 1989م، ص 98.

ونري أن هذه الآراء صحيحة فى مجملها إلا أننا نريد أن نوضح أن تمتع رواد هذه المدرسة بالمهارات اللغوية والأساليب البلاغية منهم القدرة على تطوير أسلوب المقالة الصحفية حسبما يقتضية الحال أو المقام، ولكنهم لم يغفلوا عن الرجوع إلى الأساليب البلاغية والمحسنات البديعية فى قوت ما يحتاج الموقف أو يتطلبه الوقت المناسب.

 

ثانيا – الشيخ أحمد ماضي وجريدة الآداب:

تعد جريدة الآداب من أوائل الجرائد الأدبية التى صدرت فى مصر وكان لها دور بارز فى الحياة الأدبية والاجتماعية فى مصر، صدر فى بداية عام 1887م، بعد رحلة من العذاب قطعها الشيخ على يوسف مع نظارة الداخلية وقلم المطبوعات فى ذلك الوقت من أجل استخراج الأوراق الخاصة بإصدارها ( الرخصة).

وتبرز مكانة الشيخ احمد ماضي بصورة جلية عند الشيخ على يوسف فى مجموعة المقالات التى كتبها الأول للثاني معربا فيها عن نصائحه التى ساعدت صديقة الحميم الشيخ على يوسف على تخطي العقبات التى كانت تعوق مسيرة نجاحة وعندما وجد الشيخ على يوسف صديقة وناصحة       ( الشيخ احمد ماضي) على هذه الدرجة من الثقافة العلمية والمهارات الأدبية التى ظهرت معالمها فى هذه الرسائل التى كان يبعث بها إليه ومجيبا له عن استفساراته وتساؤلاته خرج على الوعد الذى حثه علية صاحبة وهو عدم نشر هذه الرسائل أو إذاعة هذه المقالات.

ولعل من يطالع هذه المقالات التى نشرت للشيخ احمد ماضي بجريدة الآداب يلتمس الأعذار للشيخ على يوسف فى خروجه على وعد صاحبة وذلك لما تضمنته من نصائح غالية، وأسلوب بلاغي قشيب وموضوعات متعددة تتعلق بحياة الناس جميعا، ومجموعة من الأفكار الغادرة التى بثها الشيخ احمد ماضي إلى صديقة فى أسلوب راق من الأساليب البيانية التى يتعلم منها القارئ، سلامة اللغة ورغم المعاني الواضحة التى أبرزتها مجموعة المقالات التى حرص الشيخ على يوسف على نشرها فى صدر الصحيفة تحت عنوان ” الطائف الجوي” إلا أننا لم نجد كثيرا من الباحثين الذين كتبوا عن هذه الجريدة أو عن صاحبها الشيح على يوسف إنصافا للمكانه التى احتلها الشيخ احمد ماضي عند مؤسسة الجريدة والتى ظهرت فى ردود الشيخ على يوسف تحت باب الباحث أبن العصر والتى كشف فيها النقاب عن المكانة العليا التى يتبوأها الشيح احمد ماضي فى نفسه والتقدير الكبير الذى جاء فى نشره هذه الرسائل فى هذا الموضع من الجريدة.

فيذكر الدكتور عبد اللطيف حمزة أنه ” لم يكن مع الشيخ على يوسف حين فكر فى الصحافة شئ من المال، ومع ذلك فقد شوهد هذا الشاب يوما ا فى نظارة الداخلية وهو يطلب ترخيصا له بجريدة سماها ” جريدة الآداب” وما كان يحصل بعد ذلك على هذا الترخيص حتى عمد إلي صديق له بالأزهر الشريف هو الشيخ احمد ماضي، كان يعرف فيه ميلا قويا للأدب والإنشاء كما كان يعرف أيضا أن له بعض الثراء.

فاستعان بماله وقلمه على إخراج هذه الجريدة التى بقيت تصدر إلى عام 1307هـ- 1889م(1).

وإذا أعملنا العقل والإنصاف فيما ذكر الدكتور عبد اللطيف حمزة عن الشيخ احمد ماضي نجد انه بعيد عن الموضوعية قريب من الذاتية والإعلاء من شأن الشيخ على يوسف على حساب صديقة الودود الشيخ احمد ماضي.       

إن الكلمات التى سطرها هذا الأستاذ الجليل تشير على بخس المكان التى أنزلها الشيخ على يوسف للشيخ احمد ماضي كانت غير خالصة وغير صافية بل موقوفه على ثراء الأول واستغلال الثاني للأول فى استنزاف هذا الثراء فى مقابل استرضائه بكتابة بعض الجذاذات أو النتف التى لا تغني ولا تسمن من جوع.

والحقيقة أن الواقع يخالف ذلك، بل يصده بشدة ولا يقبله وذلك لأن الرجوع إلى الواقع ومطالعة مجموعة المقالات التى كتبها الشيخ أحمد ماضي وحرص صديقة صاحب امتياز الجريدة على نشرها فى صدر بعض الأعداد من الجريدة يؤكد ما ذهب إليه هذا العالم الجليل بل إن الردود التى وردت عن الشيخ على يوسف تحت عنوان الباحث ابن العصر تظهر المنزلة الرفيعة التى يحتلها الشيخ احمد ماضي عند صديقة ناهيك عن السمات والخصائص التى تتمتع بها المقالة الصحفية عن الشيخ احمد ماضي  ومن المؤلم حقا أن الرأي مال إليه الدكتور عبد اللطيف حمزة لم يقل لنا مصدره ولم يشر إلى المرجع الذى استقي منه طبيعة العلاقة التى جمعت بين الشيخ على يوسف والشيخ احمد ماضي.

فلم يرد عن الشيخ على يوسف أنه صاحب الشيخ احمد ماضي من أجل ثرائه أو من أجل استغلاله لإصدار جريدة أدبية والإنفاق عليها ولأنكي من ذلك أتباع الباحثين الذى جاء وأمن بعده لما ذهب إليه والقول بمثل ما قال به أو قريبا منه.

فيذهب الأستاذ سليمان صالح إلى أن الشيخ علي يوسف بعدها ” وصل على رئاسة تحرير جريدة ( مرآة الشرق) صم صدر قرار بتعطيل هذه الجريدة نهائيا فى 25 مارس 1886م فكر بعد ذلك فى إنشاء جريدة أدبية، وقد واجه فى سبيل ذلك الكثير من الصعوبات هى:

(1)  د/ عبد اللطيف حمزة: أدب المقالة الصحفية فى مصر – دار الفكر العربي القاهرة – الطبعة الاولي – 1331هـ-1951م، 2/42.

  • ضرورة الحصول على رخصة بإصدار الجريدة الجديدة.
  • عدم وجود رأس المال الذى يستطيع به إصدار الجريدة الجديدة.

ولكنه تمكن بمعاونة الشيخ احمد ماضي زميلة فى الأزهر من إصدار جريدة ” الآداب” عام 1887م ولم يمص على إصدار هذه الجريدة الأدبية الصغيرة عامان حتى أخذت خطها من الانتشار وقد عرف الوطنيون الشيخ على يوسف من خلال هذه الجريدة (1) ويلاحظ المتأمل فى هذا النص أن السيد سليمان صالح قد تحسن حق الشيخ ماضي عندا أشار إلى أن الشيخ على يوسف هو الذى اشتهر عند الوطنين بسبب انتشار الجريدة على مدار عامين.

إلا أن التاريخ يثبت خلاف ذلك عندما يذكر الشيخ على يوسف نفسه أن الشيخ احمد ماضي كان على صلة بعظماء مصر السياسيين والمفكرين من هؤلاء سعد باشا زغلول، وعلى باشا مبارك وغيرها(2).

كما يذكر الشيخ احمد ماضي أنه كان على صلة حميمة بأدباء مصر وساستها ومثقفيها أثناء اشتغاله بمصنب مدير تحرير ” المؤيد” وقبلها بل إنه يشير إلى صداقاته القوية مع الساسة الأجانب والعلماء مثل : مستر براون والسيد رحمة الله الهندي صاحب كتاب ” إظهار الحق” وغيره من المؤلفات الإسلامية(3).

وإذا كان الدكتور عبد اللطيف حمزة معذور عندما ذكرا أنه لم يحصل على نسخة واحدة من جريدة ” الآداب”(4) فهل كان الأستاذ سليمان صالح غافلا عما كتبه الشيخ احمد ماضي فى جريدة الآداب؟ يبدو أن أعين بعض الباحثين لم تر سوي الدور الكبير الذى قام به الشيخ على يوسف فى الصحافة المصرية.

ونحن لا ننكر هذا الدور ولا نقلل منه، ولكننا نعتب على النظر الذاتية للقضايا البحثية وندعو إلى مراعاة الإنصاف والموضوعية فى دراسة مثل هذه القضايا بل والقضايا الآخري. لقد غاب دور الشيخ احمد ماضي فى جريدة الآداب، بل فى الصحافة المصرية من جراء بعض الآراء التى أبعدته عن هذا الدور بعمد أو بغير عمد ومما يؤكد ذلك ما ذكره الدكتور سامي عزيز عن جريدة الآداب ودورها فى المجتمع ونجاحها فى معالجة القضايا والمشكلات التى تعوق تقدم المجتمع المصري والعربي دون إشارة على دور أحمد ماضي فى ذلك بل إنه اقتبس من إحدى مقالات السيد احمد ماضي  

  • انظر: سليمان صالح: الشيخ على يوسف وجريدة المؤيد – الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 1990م، سلسلة تاريخ المصريين – رقم 37 ج1، ص21.            
  • أنظر: د/ عبد اللطيف حمزة: أدب المقالة الصحفية فى مصر، 4/87-90.
  • انظر: السيخ احمد ماضي ابو العزائم : وسائل إظهار الحق، ص 3-4.
  • انظر: د/عبد اللطيف حمزة: أدب المقالة الصحفية فى مصر،2/42-43.

بعض السطور دون ذكر لاسمه أو تنويه لدوره من خلال هذه الكتابات فيذكر الدكتور سامي عزيز أن جريدة الآداب هى أول صحيفة اجتماعية تظهر فى عهد الاحتلال، ولم ترخص الحكومة لعلي يوسف بإصدارها إلا بعد ممانعه طويل واحتمل صاحبها من المشاق والنفقات ما يتخذ دليلا على عظم ثباته وقوة عزيمته.

        وتعددت آفاق الجريدة، وخاصة فى عامها الثالث (1889م) وصارت أمسل برغبات الأمة وحاجاتها منها بالأعمال الأدبية أو الفكرية الخالصة فوجهت جهودها نحو الآفات الاجتماعية والعناية بالناشئة من أبناء الوطن وخصصت لذلك مقالات بعنوان ” متي تصلح الأمة؟ تحاول فيها إيضاح أن سبيل الإصلاح ممهدة وتعجب من عدم سلوك المصلحين هذه السبيل وتخش الصحيفة أن يحدق بالأمة البأس فى طرق الإصلاح وهى كلما همت بأمر عاقتها عوائق وصرفتها نوائب فتثير الأمل فى نفوس الأهالي حتي لا تخبو العزائم أو تكل الهمم (1).

        ثم يقتبس من مقالة السيد احمد ماضي بعض السطور عن أهمية العمل فى حياة الشعوب ودور الموظفين فى عقل الأمة فيقول : ” إن لموظفين هم عقل الأمة، وأصحاب الأعمال العقلية إن علت همهم قلما يلذ لهم عيس لعظم ما يعانون من الاهتمام بجلب النافع والمضار(2)” .

        وهكذا غاب دور الشيخ احمد ماضي كما افلت مكانته فى عالم الصحافة عند كثير من الباحثين الذين نفلوا عن المصدر الأول الخطأ الذى وقع فيه، ولم يعودوا إلى الواقع الملموس الذى يؤكد وجود مجموعة من الكتابات التى سطرها الشيخ احمد ماضي فى جريدة الآداب والتى حرص على نشرها الشيح على يوسف وأنزلها منزلة حسنة عندما صنفها تحت عنوان ” الطائف الجوي” ووضعها فى مكانة لائقة من الجريدة تثبت مكانة كتابها ودورة فى عالم الصحافة وأنه من أبرز روادها.

ثالثا- دورة فى جريدة المؤيد:

        جريدة المؤيد هى إحدى الجرائد الوطنية التى كان لها تاريخ وطني كبير، بدأ من اللحظات الأولي لإصدارها ” صدرت جريدة المؤيد أول ديسمبر 1889م صحيفة وطنية عثمانية خديوية وكانت أول صوت أرتفع بعد الإحتلال بإثارة مسالة الجلاء وهى أولي الصحف التى أدخلت الطباعة بواسطة الروناتيف ( الآلات الرحوبة) وكانت الصحف المصرية قبل ذلك تطبع على ماكينات مسطحة وكانت صفحاتها لا تزيد على أربع ثم تبع المؤيد فى هذا التطور الطباعة صحف الأهرام واللواء والمقطم.

  • د/سامي عزيز: الصحافة المصرية وموقفها من الاحتلال الإنجليزي – دار الكتاب العربي للطباعة والنشر – القاهرة – طبعة 1388هـ- 19687م، ص221.
  • السابق: ص 221-222.

صدرت جريدة المؤيد على أثر ظهور جريدة المقطم وكان الهدف هو مواجهة الصحيفة ذات الصنف الإنجليزية الواضحة ولهذا كان طابعها الثلاثي الوطنية المصرية والعثمانية الإسلامية وتأييد الخديوي وكان الاتجاه الواضح للمؤيد هو أنه جريدة القصر، ومن أجل هذا أنشا حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية.

وقد سار فترة فى اتجاه الحركة الوطنية عندما كان يؤيدها الخديوي، فلما انفصل عنها بعد خروج كرومر وظهور سياسة الوفاق بينه أى الخديوي وبين بريطانيا على أيد المعتمد البريطاني،الذى خلف كرومر ( الدون غورست) تحوب المؤيد من تأييد الحركة الوطنية إلى مهاجمتها وتأييد موقف الخديوي(1) هكذا نلمس دور جريدة المؤيد فى النضال الوطني والتصدي لقوي العدوان البريطاني التى جعلت من جريدة المقطم منبرا إعلاميا لتوطيد قوي الاحتلال وإقناع المصريين بأهميته فى نشر العلم والتقدم الحضاري فى ظل مناخ ديمقراطي آمن، يتيح للشعب حقه فى حياة كريمة وحكم ديمقراطي صحيح فصدرت المؤيد لتكذب هذه الدعاوي وتنشر آيات الفساد والإفساد فى المجتمع المصري وترد على ادعاءات المقطم التى تذيعها عن الاحتلال.

        وقصة إنشاء  ” المؤيد” يرويها لنا الشيح احمد ماضي حيث يقول ” أسست أنا وصديقي الشيخ على يوسف جريدة المؤيد وتحملت أهم أعمالها فكنت مدير ومحررا لها فى زمن كان الوطن العزيز فى حاجة شديدة إلي تنبيه الأفكار ويقظتها.

        وكان راسل والي أن ذاك العلم وميل النفس إلى النفع العام والقلم فبذلت النفس خدمة لوطن العزيز وهجرت ملاذي حتى كنت أنسي ما لابد منه من الطعام والنوم خدمة للدين والوطن العزيز فى زمان لم يكن فيه من يقوم بهذا العمل الجليل احد من إخواني المسلمين فى بلادنا(2) ويبرز قول هذا الشيخ الجليل قصة نضالة ودوره البارز فى تأسيس هذه الجريدة عندما يشير إلى أن رأس ماله أ،ذاك هو العلم والرغبة فى تحقيق النفع للناس وإطلاعهم على حقيقة ما يدور من حولهم وما يعتري مجتمعهم من مشكلات تعوق مسيرته نحو التقدم الحضاري ويظل هذا الشيخ على عهده البذل والعطاء من اجل وطنه وأهله حتى يؤثر ذلك على صحته وبدته، حيث أنتابه مرض بالرئة لم يتركه حتى التهم صحته وقضي على طاقاته العلمية والفكرية المتأججة وفى ذلك يقول الشيخ الكريم ” ولم اتوسط أنا فى العمل ولكني بذلت الوسع حتى ألم بي مرض الزمني الفراس، فكان يتردد على كثير من علماء الإفرنج لزيادرتي بحلوان ويجتهدون فى أن يسألون عن أشياء يجهلون حقائقها ولمرض كنت أكره الجدل(3). 

  • أنور الجندي: الصحافة السياسية فى مصر منذ نشأتها إلى الحرب العالمية الثانية مطبعة الرسالة – القاهرة – طبعة 1962،ص 55.
  • أحمد ماضي أبو العزائم: وسائل إظهار الحق، ص 3
  • السابق : ص4.

ويشير هذه النص إلى اقتناع الشيخ احمد ماضي برسالته وقداستها ومن ثم لم يأل جهد نحو الدفاع عن وطنه والاستمرار فى شحذ الهم وايقاظ الضمائر من أجل نهضة شعبية عامة تطيع بالاحتلال وتعيد للشعب كرامته فى الاستقلال وحربة الرأي.

        فلم يلتفت على الأمة ولم يركن إلي أوجاعه، واستمدني عمله المقدس بجريدة المؤيد، يترجم الأخبار الأجنبية الواردة، ويرد على الشكاوي الوافدة ويبين للشعب تطورات الوضع على الساحة السياسية ويعرض على أبناء أمته الحول الجادة المستحدثة التى تحل مشكلاتهم وتقضي على عوامل التخلف الحضاري والفساد.

        وظل على هذا العهد وهذه الحال حتى وافته المنبة ىف صبيحة يوم السبت الثالث عشر من يناير سنة 1894م(1).

        ويحكي لنا فقاؤه الذين عايشوه هذا الجهد وشاركوه هذا الكفاح فى أثناء تحمله مسئولية مدير تحرير جريدة المؤيد والأعباء التى كانت تلقي عليه من وراء هذا المنصب وأثر كل ذلك على صحته وأهله وأولاده فيذكر الإمام المجد د/ محمد ماضي أبو العزائم أنه كان ملازما الشقيقة السيد احمد ” المشهور ببلاد مصر بعلوم الدين وبخدمة الوطن، وهو الذى أسس جريدة المؤيدة خدمة لجماعة المسلمين(2).

        ولعل العمل المضئ الذى كان يقوم به الشيخ احمد ماضي فى المؤيد هو الذى حث الإمام أبو العزائم على القول بأنه هو الذى أسس جريدة المؤيد ولكن الإنصاف يقتض أن نذكر دور الشيخ على يوسف فى تأسيس هذه الجريدة وأنه هو الذى كلف من رياض باشا ناظر الداخلية فى ذلك الوقت وبواعز من الخديوي عباس الثاني إنشاء صحيفة وطنية تتصدي للتيار المستغرب الذى تدعو إليه جريدة المقطم وتنصره من خلاله دعاوي الاحتلال البريطاني الزائفة(3).

        كما يشير نجله الأكبر السيد محمود احمد ماضي أبو العزائم إلى دورة فى هذا الجريدة السياسية التى ظفرت منه بجهد جهيد وعمل شاق ما عليه من مزيد فى عصر تضافرت فيه عليه الأعداء من كل صوب وحبت عليه فيه الأعاصير الهوج من كل ناحية ثم صمد لهذه الأعاصيرة وتلك الحوادث فقد حدثني شقيقة السيد محمد ماضي أبو العزائم أنه كان معنيا بتحرير المؤيد يوميا، وبترجمة أخبار ” روتر” و ” هافاس” وباستطلاع الأخبار اليومية من دواوين الحكومة كل يوم صباحا ومن  

  • انظر: السيد محمود احمد ماضي أبو العزائم: الإمام محمد ماضي أبو العزائم صفحات من حياته ج 1، ص 23-24.
  • الإمام محمد ماضي أبو العزائم”: أصول الوصول، ص 3.
  • سليمان صالح: الشيح على يوسف وجريدة المؤيدة ،ص 21.

      مجالسة الخاصة ليلا، تلك المجالس التى كان يتردد فيها على اصدقائة من عظماء مصر وأعلامها، والذين كانوا يسرون إليه بخفي الأمور، مما جعل ” للمؤيد” فى ذلك العصر القدح المعلي فى مصر وفى العالم الإسلامي شرقا وغربا(1)“.

        ويوضح هذا النص معالم الدور الذى قام به الشيخ احمد ماضي كما يحدد المحاور التى يؤديها فى هذا الجريدة يوميا وهى:

1-العناية بتحرير المؤيد وكتابة المقال الافتتاحي:

        كان اشتغال الشيخ احمد ماضي بمنصب مدير تحرير المؤيد من أهم المدرات التى تسوغ له القيام بأعمال صاحب امتياز الجريدة وكتابة المقال الافتتاحي أنثاء غيابة عن الجريدة وذلك حسما نص عليه قانون الجريدة والذى أقره السادة أعضاء مجلس التحرير.

        وبعد المقال الافتتاحي من أهم المقالات التى تعبر عن مستوي الجريدة ومنزلتها عند القارئ وعند الجمهور ” ويطلق عليه الإنجليز والأمريكيون Editorial article  أو Leading article وهو المقال الرئيس للصحيفة وله فن خاص به من حيث الصياغة.

        وأساس هذا الفن هو الشرح والتفسير والاعتماد على الحجم المنطقية حيناو العاطفية حينا آخر للوصول إلى غاية واحدة فقط هى أقناع القارئ كما أن كاتب المقال الافتتاحي فى الجرائد الكبرى، مثل ” التبيمي” و ” الهيرالدتر” يبيون، يكون معروفا لدي جمهور القراء بمعني أنهم قد تعودوا أسلوب كاتب المقال الافتتاحي الذى يجب ان يتميز بالسلامة والبساطة والوضوح والإيناس بين الكاتب والقارئ.

        ولذلك نجد كاتب المقال الافتتاحي الذى لا يوقع اسمه معروفا لدي جمهور القراء الذين تألفوا مع أسلوبه، وتعود وأعلي فتح الصحيفة فى صفحة معينة لقراءة ما يكتبه كاتبهم المفضل البسيط الأسلوب المقنع فى محجمة.

        وقد كتب الشيخ الجليل مقالات افتتاحية عديدة خاصة فى الفترات التى سافر فيها الشيخ على يوسف مرة إلي تركيا، ومرة أخري إلى لندن(2). وتشير الدراسات التى كتبت عن نشاط هذا الجريدة ومنزلتها عند الجمهور وحجم الإعداد التىكانت تزداد يوما بعد يوم فى الانتشار والتوزيع قد بلغ توزيع الجريدة فى طورها الأول من (1000) نسخة إلى (1200)(3) نسخة ثم زادت الإعداد إلى أكثر من الضعف بسبب الدور السياسي الرائد التى قامت به المؤيد ضد الاحتلال البريطاني من جانب والالهام فى حل مشكلات الشعب من جانب آخر. 

  • انظر: سليمان صالح: الشيخ على يوسف وجريدة المؤيد، ج1 ص 122.
  • انظر: سليمان صالح : الشيخ على يوسف وجريدة المؤيد، 1/23.
  • انظر: در رمزي ميخائيل: الصحافة المصرية والحركة الوطنية ، ص 71.

وكان ذلك الانتشار الواسع فى عهد الشيخ احمد ماضي الذى واصل مع صديقة الشيخ على يوسف القيام بالمسئولية الوطنية التى ألقيت على عاتقها من الشعب المصري والحكومة المصرية.

2- ترجمة الأخبار الواردة من الصحف والمجلات الأجنبية:

        اشتهر الشيخ احمد ماضي بإتقانه للغات الأجنبية ومعرفته ببعض الساسة الأجانب وكذل الدوريات وأهم الصحف المجلات التى تصدر فى الغرب ومن ثم كانت ترجمة والأخبار الواردة من الصحف الأجنبية ووكالات الأنباء من الأعمال المنوطه به والمقالة على عائقة خاصة بعد أن عرف عن الشيخ على يوسف أنه لم يتعلم اللغات الأجنبية(1).

        فكان الشيخ احمد ماضي يتليقي الأخبار الخارجية ويقوم بترجمتها تحت عنوان” الحوادث الخارجية” ومن الحوادث التى ترجمها فى أحد أعداد المؤيد ما جاء فى جريدة ( الريفيل ديه ماروك) الأجنبية عن الأجانب فى مراكش المغربية ما تعريبه ” لا يخفي أن تنصل جنزال دوله البرتغال وتنصل النماس والمجر،قدموا بطريقة رسمية منشور إلى وكيل ملك مراكش طلبوا فيه من حكومة هذا الملك أن تفتكر تعهداتها السابقة بخصوص أمن الأجانب، فأظهر لهم حضرة الوكيل أنه مصادق على رأيهم فى كل ما احتواه المنشور المذكور وأنه سيبذل جميع ما فى وسعه من المساعي ليحمل الملك على أجراء الطرق الفعالة الأمن المتوطني من الأجانب فى ممالكه، لكن لم يوقع على هذا المنشور المذكور بقية قناصل الدور مع أنه فى صالح الأوربيين، ولا لوم عليهم فى ذلك حيث لم ترد إليم تعليمات بخصوص من حكوماتهم على أنهم وإن كانوا لم يوقعوا عليه تحريرا فما برحوا يتكلمون بأفصح لسان مع وكيل حكومة مراكش ويهددونه ويعاتبونه ومكله عما سلف من السرقة والتعدي على منزل تنصل ايطاليا ويطلبون منهم إيجاد ترتيبات فى مصالح الضبط والربط لاستثبات الأمن العام.

        ومن المؤهل نجاح مشروعهم وتلبية طلبهم فالشكر لهم على جدهم المبرور ولا سيما إذا صادف إذنا واعية(2).

        ونلاحظ من مجموع الأخبار الخارجية التى ترجمها الشيخ احمد ماضي أنه بعد ان يترجم الخبر يعلق عليه ويدلي براية فيه، كما تبين لنا فى الخبر السابق وبذلك يكون الشيخ احمد ماضي من الرواد الذين وضعوا قواعد الخبر الصحفي ومن أهم القواعد:

  • انظر: سليمان صالح: الشيخ على يوسف وجريدة المؤيد، 1/19.
  • جريدة المؤيد المصرية- يوم الخميس 26 ربيع الثاني سنة 1307هـ- الموافق 19 ديسمبر، سنة 1889م، العدد 13،ص 1

1- أن يكون الخبر صالحا لمستوي النشر ( ذات أهمية.

2- أن يكون متوافقا مع المناخ العام للجريدة والوطن.

3- أن يحرص الكاتب على الإدلاء براية فيه.

        ومن ثم يمكن القول بأن ترجمة الأخبار الخارجية تحتاج إلى دراية كاملة بشئون السياسة الخارجية ومعرة شاملة بالأحداث العالمية، حتى يتسنى للمترجم أن يتوصل إلى أسباب الخبر ومتي حدث وكيف حدث، والغاية من نشرة فى الصحف.

3- استطلاع الأخبار اليومية فى داخل البلاد:

        كانت الأخبار الداخلية التى تحدث فى داخل مصر والعالم العربي والإسلامي من أهم الاختصاصات التى أسندت إلى الشيخ احمد ماضي وكان هذا الشيخ الجليل يضعها تحت عنوان” الأحداث الداخلية”.

        وجاءت هذه الحوادث على صورتين، إحداهما قصيرة، والأخري: طويلة إلى حد ما، وتتناول الأحداث المتعلقة بأعمال الحكومة وكذلك الأخبار التى تعرض قضايا الشبع على الرأي العام.

        ومن هذه الأخبار ما نشر فى جريدة المؤيد عن الجمعية العمومية لحكومة رياض باشا حيث يقول الخبر ” انتظم عقد الجمعية العمومية فى صباح هذا اليوم عندما مضي ثلاث ساعات ونصف من الساعة العربية، فتلي محضر الجلسة الماضية وأقر عليه الأعضاء، ثم ابتد أدولة رياض باشا ناظر النظار فشرح فوائد هذا المشروع العميم النفع استوجبت به الجمعية شكر الحكومة بإقرارها عليه، وكان فى خلال ذلك يدرا بعض الملاحظات التى تتوهم بالبراهين القاطعة والحجج الدافعة بعبارة مع كونها جمعت بين الإيجاز وال‘جاز واجتلبت القلوب والأفئدة شفت عما لدولته من الغيرة على تقدم الوطن والشفقة على ضعفاء الفلاحين وكنت تري السكينة والوقار قد مدا رواقها على تلك الهيئة علامة على الاستحسان المطلق.

        وليس بخاف ما لدولة رئيس النظار من المكانة العليا فى قلوب الوطنين وما ناله من الثفة العامة فى أفئدتهم بأعماله المشهور ومآثره المأثورة ثم انقضت الجلسة فخرج الكل وقلوبهم ملاي بالسرور يدعون الله ألعلي الأعلى أن يوالي السعادة الخير على البلاد يحفظ سموا أميرهم الكريم ورجال حكومته المخلصين.

        علمنا أنه كان فى هذا اليوم أنتهاء أعمال الجمعية العمومية وربما تجتمع غدا لسماع الأمر العالي الذي يقضي بانفضاضها هذا المرة وربما تنعقد(1).

(1)     جريدة المؤيد المصرية- يوم الأربعاء 25 ربيع الثاني، سنة 1307هـ- الموافق 18 ديسمبر، سنة 1889م، العدد 12،ص 2.

     وإذا كانت المؤيد تهتم بنشر اجتماعات الحكومة وأهم أنشطتها اليومية، فإنها تهم أيضا فى نشر الأخبار المتعلقة بمشكلات الشعب وتحرص على أيداء الرأي فيها وحث الحكومة على حلها.

        ومن هذا الأخبار الداخلية التى كتبها الشيخ احمد ماضي ما جاء عن مياه النيل بالنسبة للشعب المصري المشكلات التى تواجه مياه النيل، حيث يقول ” فلنا فى مؤيد أمس أن مياه النيل بالنسبة للإنسان المصري هى بمنزله الدم الجسد.

        ومعلوم أن مدار الحياة على انتظام سريان هذا الدم فى جميع العروق والشرايين والأوردة كل بحسب حاجته منه فإذا زاد أو نقص فقد اختل ميزان حياة الجسد فيفضي ذلك إلي الضعف أو الثلاثي.

        غير أن الجاهل الذى لا يعرف قوانين الصحة أقل ضرار من الفلاح الذى لا يعرف وظيفة توزيع المياه بمقتضي القواعد المدنية والهندسية فى بلاد مصر لأن الأول لا يتعدي ضرور غيره، بخلاف الثاني فإنه قد يضر نفسه وغيره إذا تعدي على قطع حاجز أو سد مصرف لأخذ مياه أو منعها.

        والقوانين المصرية وإن راعت المخالفات فى المنافع العمومية وقدت لها حدود وجزاءت غير أنها جعلتها أسوه غيرها فى المخلفات مع أن الأضرار التى تترتب عليها قدلا تقدر بالجز آت التى لا تتعدي الغرامة القليلة أو الحبس زمناما.

        ورب ذى جريمة تختص بالري بسبب ارتكابها إعدام حياة مشين من الأنفس بسبب شرف الدف من القدادين أو غرف ألوف من الأنفس وتلاف كثير من الأموال.

        فيا حبذا لو جعلت الحكومة السنية قانونا يختص بأعمال الري ورتبت له عقوبات مدنية وجسدية بقدر ما يترتب على تلك الجرائم أو بما يزيد عنها ودو يعتبر ظاهرة حينما تحدث للناس قضية بقدر ما أحدثوا من الفجور فتكون حينئذ قد وفت بحقوق البلاد ومطالب حياة الأمة وهذا المؤيد يقتحر على أولي الشأن هذا الأمر الذى فاتنه الجرائد السابقة وكم فات الأول للآخر(1).

        ويبدو من هذه الأخبار الداخلية أنها جديرة بالذكر لأنها تمس جانب البلاد من الجانب الحكومي ومن الجانب الشعبي أيضا ويلاحظ فيها أن كاتب هذه الأخبار مريض على الاعراب عن موقفه وموقف المؤيد منها وم ثم كانت أهمية نشر هذه القضايا الشعبية فى هذه الجريدة الرسمية، ويعجب كاتب هذه السطور من هذه الجهد الجهيد والأعمال الصحفية الشاقة والمتعددة التى كانت ملقاه على عاتق الشيخ احمد ماضي ولم يجد لها صدي عند مؤرخي الحركة الوطنية لهذا العصر.

     

(1)     جريدة المؤيد المصرية- يوم الأربعاء 25 ربيع الثاني، سنة 1307هـ- الموافق 10 ديسمبر، سنة 1889م، العدد 12،ص 2.

        بل إن النتف والجذاذات التى وردت على هامش المؤلفات التى كتبت عن الصحافة الوطنية فى عصر الشيخ احمد ماضي بعدت كثيرا عن الموضوعية والحياد عندما رفعت ذكر بعض كتاب هذه المرحلة التاريخية، وخفضت ذكر بعض الكتاب الآخرين وفى مقدمتهم الشيخ أحمد ماضي.ويا ليت الأمر توقف عند غفلة الذكر أو محطة النسيان ولكنه تعد إلى أبعد من ذلك عندما جاء التنويه عن دور هذا الشيخ مشينا ومسيئا إلى شخصه وقلمه الذى جاهد فى سبيل الله تعالي والوطن سنوات عديدة حتى أخني بدنه واضعف صحته(1).

الجانب الاجتماعي فى حياة الشيخ احمد ماضي ابو العزايم

 جميع الحقوق محفوظة Copyright ©2025 موقع الشيخ احمد ماضي ابو العزايم. 

 Designed and Published by Eslam Eltorki