أي بني الوطن الأعزاء على الأصدقاء إلى، أى أفراد العائلة المصرية وأجزاء هيئتها المدنية علمتم ولا اخالكم تجدهلون جالة بلادنا فى الأزمان العابرة والقرون المتوسطة، وما جناه اللاحق على السابق ورأيتم هذه النقلة التى انتقلتها فى خلال هذه الأعصر الحاضرة ودرستم فى صحف الغير دروس العبر وشاهدتم بعين البصيرة والبصر ما بطن وما ظهر، وذقتم من حوادث الدهور ما أحلو لي وما أمر.
وها هى الحالة الحاضرة تطالبكم بأداء الواجب عليكم مما يجعلكم رجالا تبارون الرجال، وأن تيار هذا التمدن الحديث لا يجاريه إلا من عرف وجهة تجارية ذووا القوة ممن هذبتهم التجارب فحافظوا على الأوقات، وانتهز والفرصات اعلموا بني أبينا أن هذا التمدن قد حمل إلى بلادنا على أكف أقوام أقوياء حرصاء، لم يرضهم فى ثمنه القليل، ولم تكفهم فى مقابلته القيمة يودون أن يضربوا بأيديهم على التجارة والصناعة ومصادر الثروة.
ونحن ننظر إليهم بعين المتعجب مرسلة أيدينا إلى الجوانب كأننا لسنا أبناء أب واحد وأم واحدة، إن هذه الشيء عجيب، فما أحوجنا إلى فضل وثبات وصبر وصدق فى العمل ونشاط فى السعي، حتى يسعد بنا الوطن ونسعد به ونفوذ فى هذا السابق الذى لا يحرز قصباته إلا المتيقظ.
ألم تعلموا أن هذا السباق بذاته قد قضي على سكان أمريكان الأقدمين بالمحو وطموس الأثر حينما فاجأهم هذا التمدن بأيدي أولي القوة وأصحاب الدهاء السابقين فى الصناعة والتجارة وعد حق، وقول صدق، إن تنازع البقاء كما يفعل بالحيوانات العجم ليفعل بالإنسان العاقل الذى فاز على غيره من الأنواع فيا فلا حي البلاد قد كنتم تقولون ما أحوجنا إلى العدل والحكومة البارة وما أحوجنا إلى تخفيف الضرائب ورفع ثقل الأمول ما أحوجنا إلى الضبط والربط وبث الأمن ما أحوجنا إلى ردع الظلمة وحكام الغفلة؟ وصيارف الطمع والتفريط والأن تقولون ما أحوجنا إلى الشكر لولي النعم الشقوق البار برعيته المقسط فى أحكامه، وإلي رئيس وزرائه الذى ذلك الصعاب، ومهد الطرق كلكم يتلو سطور اصلاحاته مسطرة على صفحات أفعاله الحميدة، ويسمع أخبار أعماله منقو له بأفواه مأثرة الجليلة أتدرون ماذا يريد منكم إن ساعدكم وسدكم واعتر من الصعوبات دونكم، وحل المشاكل عنكم، وحط عنكم الأثقال، إنما يريد أن يذهب عنكم الرجس ويري منكم رجالا يتسابقون إلى الخير ويسعون لسعادة البلاد ” وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدي الله”(2)
- جريدة المؤيد المصرية يوم الأربعاء 12 ربيع الثاني سنة 1307- الموافق 4 ديسمبر، سنة 1890م، العدد 2، ص1-2.
- سورة البقرة، من الآية :
فأقبلوا على ما هو أساس العمران بإصلاح الغرس، وإياكم والزهور والترف وإضاعة الوقت، فإن ذلك مجلبة للشر، وطريق إلي الفساد اجتنبوا كبائر ما نتهون عنه من الله والرسول وأولي الأمر منكم، فإن ذلك أروح لنفوسكم وأبقي لأموالكم ولهيب لكم فى النقوس وأرضي لله ورسوله” وأدني أن لا ترتابوا(1) ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون”.
” تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”(2) وكونوا أخوانا متحابين ينصر بعضكم بعضا، ويسعف القوي الضعف”، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم”(3) الحلال بين والحرام بين، فأدوا ما عليكم بالحق، واطلبوا ما لكم بالحسنى ولا تتجاوزوا الحد الذى يوقع فى الذلة والصغار، ويجلب الهوان، فإن العاقل من جعل لنفسه وقاية من المكروه.
تطالبكم الحكام بما تنفقه الحكومة فى صلاح شئونكم وإصلاح ذات بينكم فتجربي لكم الأنهار وتمد القناطر وتحصن المزارع وتسهل لكم المواصلات وتؤمن السبل فكونوا من أنفسكم أحرص الناس على وفاء هذا الحق عن طيب نفس ولا تشدد فيشدد عليكم بزيادة العمل وكثرة المطالبين وعناء ذلك كلمة راجع إليكم وواقع عليكم لا تسرفوا ثم تستظلون بمظال الافتراض الذى ينقشع نعيمة ويبقي رسومه وإن كان ولابد فالتبصر والتثبت والحزم والسداد لا يخد عنكم أولو الأغراض محاجم الثورة ولا تركنوا إلى الذين يحزنهم عسركم ولا تسرهم ميسرتكم.
ولا ترهبوا الحكام رهبة الجهلاء ولكن عظموهم تعظيم العقلاء، واعلموا أنكم وإياهم أبناء وطن تتبادلون العمل، وتتقا سمون المنفعة، وليسوا أقل منكم حرصا على صلاح البلاد وسعادة الأمة، فلا تحابوا لهم بالباطل ولا تخدعوهم بالتمويه، وانصحوا لهم وساعدوهم على أداء ما عهد إليهم وما أنتم أيها التجار أبناء الوطن فأنتم نسل الذين خلوا من قبلكم، وقد كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا، وأصبر قلوبا، وأعظم مزاولة، وأعلم بالفرض شقت عباب البحار، ووطئت أرجلهم أطراف البلاد، وغصبت لهم التجارة وبهتت منهم التجار أليس من العجب أن أرضاكم الدهر بهذا المجال الضيق والخطوة القليلة وزهدتهم فى الأعمال وأنفتم الأسفار وهجرتهم المكاسب.
وبلدكم هذا نداء التجارة، وتربتها الطيبة تلبت لكم الزيتون والرمان ، ولا عجب من كل الثمرات
- سورة البقرة: من الأية: 282.
- سورة المائدة: من الأية: 2
- سورة الأنفال من الأية: 46.
تنظرون فى بلادكم إلى الأجناس المختلفة من الناس، على جانب من الناشط وحسن المعاملة يتجرون فى أسواقها، ترونهم يخدمونكم ابتغاء مرضاتكم، أم تظنون أنفسكم عاجزين عن مثل هذا العمل الذى يعود بالثروة عليكم وعلى بلادكم كلا بل أنت ركنتم إلى الراحة ورضيتم بالمتاع القليل.
هذه البلاد التى تكتفكم من الشمال والجنوب والمشرق والمغرب تجلب إليكم تجارتها من يد إلى يد، فلا تصل إليكم إلا وقد زاد تمنها أضعافا مضاعفة ثم أنتم تتلقونها بحكم الضرورة فلا تدبرون نجاح التجار فى أنتهاز الفرض والإقدام بعد الثروى والصدف فى الوعد والتعفف بالأمانة وعدم اكتناز الأموال بل استثمارها وشغل الأيدي فإن من أضاع الفرصة لا ينتظر الريح ومن أشاع الإقدام وجبن عن جليل الأعمال وهنت قواه ورضي من الغنيمة بالقف، ومن البحار الأخرة بمصة الوثل لم يترو قابل ما يكره قبل إعداد العدة وفارق المأمن بدون نجدة وهو ما بين فوز غير منتظر وخسران محقق ومن لم يصدق فى وعده بغضه الناس واعرضوا عنه ومقتوه ثم هو مهما أكد نفسه وبلغ بها الجهد فى عطف القلوب عليه وإمالتها إليه كمحتطب فى البحار ومقتبس الحر غير نار.
وأما من فقد الأمانة وعدم العفة وغس ودلس فهو كمن يحارب فى غيره عدة ويوعز إلى الناس أن لا يقبلوا إلى مكانة أولئك هم الفجرة الذين أضاعوا ثقة أبناء البلاد وتجارة البلاد وساقوهم بحكم الضرورة إلى مجانيتهم، وعدم الرغبة فيما لديهم ورفض ما كانوا يعملون.

