( 1)
الإنسان وحدة هو العالم المفتقر إلى تبادل الأعمال فى هذه الحياة، ومصالحة شتي ليس فى استطاعه فرد منه أن يقوم بما يخصه منها، فقد أحوجته الطبيعة إلى استمداد بعضه ببعض.
وأحوال كل أمه من صلاح وفساد مرتبطة بأعمال رجالها وهذه الأعمال متوقفة على تقويم مناهج تعاليهم المدرسية وليست قوانين التعليم كافية التربية الأبناء كما تقتضيه مطالب الأمة بل لمقاصد المتعلمين وتعليم وجهة التعليم دخل عظيم فى كمال تربية الأفراد تربية نافعة للأمة.
وقد سادت الأمم الغربية لاتجاه معلمي شبانها إلى بث الأفكار التى ترقي عقولهم وتهيؤهم للمطالب الجليلة فينبغ أحدهم وهو أعلم الناس بأن خدمة البلاد من الزم المفروض وأوجب الواجبات، فأني رأي منفعة الجنس والوطن خلص وجهته إليها.
ولهذا كانت أميال الأفراد غير منحصرة فى الوظائف الرسمية لعملهم ضيق هذا المجال والدنيا رحبة الطرق فإذا كانت وجهتهم منحصرة فيه دون غيره، بطلت حركتهم، إذ لابد من يوم تنقضي فيه تلك الوظائف ويكفيها النزر القليل من الناس، ثم ماذا يكون عمل أبناءهم وهم غير مترشحين لغيرة لا يكون إلا الفراغ الذى عاقبته تجرد الأمة من التجارة والصناعة والزراعة إلا بأيدي السذج الجهلاء هم إلى الفساد أقرب منهم إلى الصلاح هذا ما دعا أولئك القوم أن ينوعوا الوجهة، ويفرقوا ما بين طرق التعليم فيتخرج أ؛دهم وأمامه طريق يقصده وعمل يسهل عليه أن يجد وسائلة.
وأيضا أن المتوظف عند أولئك القوم فى الوظائف الرسمية لا يعتبر أشرف من غيره لتقديرهم قيم الأعمال وتحديدها بمقتضي الحاجة لهما كل ذلك من الدوماعي التى بعثتم على تفريق الوجهة والاعتناء بأعمالهم فكانت النتيجة عمران البلاد بتقدم الفنون الصناعة والزراعية والتجارية التى هى العوامل الوحيدة فى سعادة الأمم ورفاهيتها.
أما نحن معشر المصريين فقد مضت علينا أدوار قضت على من قبلنا يحصر وجهة تعلمه فى دائرة ضيقة جدا وهى تمني الخدمة فى دوائر الحكومة والباعث على ذلك هو ما كان فى البلاد المصرية من جبروت صغار الحكام وعظيمة عمال الدواوين بسبب ما لهم من السطوة والغلبة على الفلاح الذى كان أسوء من الرق وأبخس قيمة من الحيوان الأعجم، بل كان حطة الذل والصغار فالرجل العظيم الذى تراعي حقوقه إذا ذاك كان هو الذى فى سلك عمال الحكومة وكان الحصول على ذلك من أكبر وسائل السؤدد والشرق هذا هو الذى جعل وجهة المتعلم عندنا من قبل واقفة عند هذا الحد لا تتعداه غير أن هذه الأسباب لم تقتصر على ظروفها وأوقاتها بل تعدتها إلى أوقات أخري وهى الأزمنة
(1) جريدة المؤيد المصرية – الثلاثاء الموافق 17 ربيع الثاني سنة 1307- 26 ديسمبر سنة 1889م، العد رقم 5، الصفحة الأولي
الحاضرة التى انقشعت فيها تلك الغياهب وأصبحت الحكومة فى يد من يعتبر حقوق الأفراد على السواء لا فرق بين هذا وذاك وفى ذمة رجال يعلمون أن قيمة الإنسان عمله لا امتياز المتوظف وغيره فلم تعد الخدمة الأميرية عنوان الشرف والرفعة وسموا الجاه دون سواها.
وهذه حقيقة قد عرفها المصريون الآن فلا ينبغي إذا للمتعلم أن يجعل طريق مستقبلة حرجا بل عليه أن يصرف نظره فى التعلم إلى الاستعداد والتهيئ إلى أي عمل من الأعمال، وأمامه العلوم شتي والنتائج كثيرة وحاجات تطالب بصناعة ضروبها غير محصورة وتجارة فنونها متنوعة وزراعة أرضها واسعة قال أحد الحكماء ( من الجبن أن يري الإنسان لنفسه مقاما مخصوصا).
وكذلك من فتور الهمة أن يزعم أن الحيز الذى هو به قليل الخواص فإن ذلك فرية على الطبيعة التى لم تبخل على بلادنا بامتيازات جلي ومن يدعي أن للتقدم أناسا مخصوصين وللحضارة أرضا مخصوصة فقد ضرب الحجر على منح الخالق جل شأنه والبلاد المصرية سمحة المنبت كريمة الغيث صافية الأفق لا يكورها إلا ما سطر على أيدي أهليها من العجز وهو الكسل وقد نبهت الحوادث عقول الكثير فنشطت وعملت أن التعليم لا يقصد إلا لمجد الأمة وكرامتها ” لمثل ذلك فليعمل العاملون”(1).


